قطع الغيار.. بوابة الجزائر نحو صناعة سيارات حقيقية وتقليص فاتورة الاستيراد
مدير نبض الجزائر١٥ أغسطس ٢٠٢٦١٢ مشاهدة

مساهمة: الخبير الاقتصادي عبد النور قاشي
أكد الخبير الاقتصادي عبد النور قاشي، أن بناء صناعة سيارات حقيقية في الجزائر لا ينبغي أن يقتصر على خطوط تركيب المركبات، وإنما يجب أن يمتد أساسا إلى تطوير صناعة وطنية للمكونات وقطاع غيار، باعتبارها الحلقة الأهم في تحقيق الإدماج ورفع القيمة المضافة وتقليص فاتورة الاستيراد.
وقال قاشي إن «المعركة الحقيقية لا تبدأ من خطوط تركيب السيارات، وإنما من المصانع التي تصنع مكوناتها وقطع غيارها»، موضحا أن إنتاج السيارات في الجزائر دون وجود شبكة وطنية قوية من المناولين ومصنعي المكونات يجعل جزءا مهما من سلسلة الإنتاج مرتبطا بالخارج، في حين أن تصنيع القطع محلا يعني قيمة مضافة أكبر، وفرص عمل جديدة، وتقليصا للاستيراد، إلى جانب تعزيز قدرة الجزائر على التصدير.
وأضاف أن اعتماد الحكومة رواقا أخضر حقيقيا للمستثمرين في مجال صناعة قطع الغيار والمكونات يمكن أن يشكل أحد أكثر القرارات الاقتصادية تأثيرا في مسار تطوير الصناعة الوطنية، خاصة إذا ترافق مع تسريع دراسة المشاريع، وتسهيل استيراد الآلات وخطوط الإنتاج، وتوفير العقار الصناعي، وتسريع إجراءات شهادات المطابقة والاعتماد، وربط المستثمر مباشرة بمصنعي السيارات العاملين في الجزائر.
وبلغة الارقام اشارالخبير الاقتصادي إلى الفرصة المتاحة أمام الإنتاج المحلي، موضحا حسب بيانات التجارة الدولية،ان الجزائر استوردت سنة 2024 ما قيمته نحو 73.9 مليون دولار من فئة مهمة من أجزاء مكونات السيارات، كما بلغت واردات القوابض وأجزائها نحو 61.7 مليون دولار، في حين وصلت واردات المصدّات وأجزائها إلى نحو 18.7 مليون دولار.
وأوضح أن هذه الفئات الثلاث وحدها تمثل أكثر من 154 مليون دولار من الواردات في سنة واحدة، مشددا في الوقت ذاته على أن هذه الأرقام لا تمثل كامل فاتورة قطع الغيار والمكونات، وإنما عددا من البنود التجارية فقط، ما يعني أن حجم السوق القابل للإحلال بالإنتاج الوطني أكبر بكثير.
وأكد أن السوق الوطنية تتوفر على قاعدة طلب تسمح بظهور صناعة مناولة حقيقية، لافتا إلى أن بيانات رسمية أُعلن عنها في 2025 تشير إلى أن واردات السيارات الجديدة بلغت 179,255 مركبة بقيمة 2.114 مليار دولار خلال الفترة 2022-2024، بينما بلغت العمليات المرتبطة بالإنتاج والتجهيز والتسيير في قطاع المركبات نحو مليار دولار خلال 2024، مقابل 564.9 مليون دولار في 2023.
وقال في ذات السياق، هذه المعطيات تعكس وجود سوق قادرة على استيعاب استثمارات واسعة في مجال المناولة، تشمل مصانع للكوابل، والبطاريات، والزجاج، والمصدّات، والمقاعد، والفلاتر، وأنظمة الفرامل، وأجزاء المحركات، والمكوّنات البلاستيكية والمعدنية، والإلكترونيات، وغيرها من المنتجات التي يمكن تصنيعها تدريجيا وفق المعايير الدولية.
وعرج الى جهود وزارة الصناعة في اطلاق شبكة وطنية لمصنعي قطع الغيار بهدف تنظيم المنتجين المحليين ورفع نسبة الإدماج في صناعة السيارات،
كما أشار إلى أنه جرى في مارس 2025 توقيع مذكرة تفاهم مع 13 مؤسسة مصنعة للمركبات للعمل على إدماج قطع الغيار المحلية ومرافقة المناولين للحصول على المطابقة والاعتماد، معتبرا أن هذه الخطوة تمثل تحولا مهما في مسار بناء منظومة صناعية متكاملة.
وأضاف أن سنة 2025 شهدت كذلك توقيع اتفاقيات بين "شيري الجزائر" ومؤسسات وطنية متخصصة في تصنيع قطع الغيار والمناولة، بهدف إدماج منتجاتها في سلاسل الإنتاج المحلية، مؤكدا أن أهمية هذه الاتفاقيات تكمن في نقل النقاش من مجرد شعار «الإدماج» إلى إقامة علاقات فعلية بين مصنع السيارات والمناول الجزائري.
واكد الخبير في سياق اخر على ضرورة منح المستثمر الأولوية الفعلية في المعاملة الإدارية والاقتصادية، لان المستثمر الراغب في إنشاء مصنع لإنتاج قطع الغيار لا يواجه بالضرورة مشكلة في الاستثمار، وإنما في عامل الوقت، موضحا أن مصانع قطع الغيار تحتاج إلى آلات دقيقة، وقوالب، ومعدات اختبار، ومواد أولية، وتكنولوجيا، واعتماد وتأهيل سريع.
وصرح «كل شهر تأخير في دخول المصنع حيز الإنتاج يعني استمرار استيراد القطعة نفسها من الخارج»، وهو ما يجعل تسريع الإجراءات عاملا مهما في نجاح سياسة الإحلال بالإنتاج المحلي.
وأوضح أن منح «الرواق الأخضر» لهذا النوع من الاستثمارات يجب ان يرافق بالعديد من الاجراءات: المعالجة السريعة لملفات الاستثمار، ومنح الأولوية في العقار الصناعي، وتسهيل اقتناء خطوط الإنتاج والتجهيزات، وتسريع إجراءات المطابقة والاعتماد، إضافة إلى تسهيل استيراد المدخلات التي لا يوجد لها بديل وطني، مع ربط كل ذلك بأهداف واضحة للإنتاج ونسب الإدماج.
وقال الخبير، إن نتائج تطوير صناعة قطع الغيار لن تقتصر على خفض فاتورة الاستيراد، موضحا أن إنتاج قطعة غيار بقيمة مليون دولار محليا لا يعني فقط توفير مليون دولار من العملة الصعبة، وإنما خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني، دفع أجور، واستهلاك خدمات محلية، وخلق نشاط للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ودعم البحث والتطوير، وفتح المجال أمام التصدير.
وافاد ايضا، مصنع قطع الغيار لا يخدم بالضرورة سيارة واحدة أو علامة واحدة، بل يمكنه، في حال بلوغه المستوى المطلوب من الجودة والمطابقة، أن يتحول إلى مورد لعدة مصانع في الجزائر، ثم يتوسع نحو الأسواق الإفريقية.
وأكد الخبير الاقتصادي عبد النور قاشي ختاما، أن تطوير صناعة قطع الغيار محليا سيسمح للجزائر بتقليص فاتورة الاستيراد وخلق استثمارات ومناصب شغل وقيمة مضافة، بما يمكنها تدريجيا من الانتقال من سوق تستورد السيارات وقطع غيارها إلى قاعدة صناعية تنتج السيارات ومكوناتها وتصدرها.


