اقتصاد

الخبير الاقتصادي قاشي.. إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرائق فرصة لإنعاش الاقتصاد

مدير نبض الجزائر٤ سبتمبر ٢٠٢٦١٤٠ مشاهدة
الخبير الاقتصادي قاشي.. إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرائق فرصة لإنعاش الاقتصاد
ان معالجة مخلفات الحرائق لا ينبغي أن تتوقف عند حدود إحصاء الخسائر وتعويض المتضررين وإعادة بناء ما تهدم، بل يجب أن تكون بداية لمسار أوسع لإعادة بعث الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المناطق المتضررة. في هذا الإطار،قال الخبير الاقتصاد،عبد النور قاشي لــ"الشعب" إن المخطط الاستعجالي يفترض أن يقوم على الانتقال السريع من مرحلة الاستجابة للكارثة إلى مرحلة إعادة التأهيل والإعمار، من خلال التكفل بالسكان المتضررين، وتعويض الخسائر، وإعادة تهيئة المساكن والمنشآت المتضررة، وفتح المسالك والطرقات، وإعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والاتصالات، إلى جانب استعادة النشاط الفلاحي والاقتصادي في المناطق التي توقفت فيها عجلة الإنتاج. والأهم في هذه المرحلة_يفيد المتحدث_ ه أن تكون عملية إعادة الإعمار منظمة وفق رؤية متكاملة، وليس من خلال تدخلات منفصلة لكل قطاع، فالمنطقة التي تضررت من الحرائق تحتاج إلى إعادة بناء بنيتها التحتية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى استعادة مصادر دخل سكانها، وإعادة تشغيل مؤسساتها الاقتصادية، وتأمين وسائل الإنتاج للفلاحين والمستثمرين، وخلق الظروف التي تسمح بعودة النشاط الاقتصادي بصورة أسرع وأكثر استدامة. ومن الضروري كذلك أن تكون الأولوية لإعادة تأهيل النشاط الفلاحي، باعتباره أحد أهم مصادر الدخل والتشغيل في هذه المناطق،فالأراضي المتضررة يمكن أن تتحول، ضمن برامج مدروسة، إلى فرصة لإعادة تنظيم النشاط الزراعي وإدخال أصناف أكثر مقاومة للظروف المناخية، وإعادة غرس الأشجار المثمرة والزيتون والكروم والنباتات العطرية والطبية، مع دعم تربية المواشي والنحل، وتوفير أنظمة السقي الحديثة، وتهيئة المسالك الفلاحية، وإنشاء نقاط لجمع وتخزين وتحويل المنتجات. وهنا يمكن الانتقال من مفهوم "تعويض الفلاح" إلى مفهوم أكثر طموحا يتمثل في "إعادة بناء المنظومة الفلاحية"، فالفلاح الذي فقد أشجاره أو مواشيه أو تجهيزاته لا يحتاج فقط إلى تعويض مالي، وإنما يحتاج إلى مشروع اقتصادي يعيده إلى الإنتاج، ولذلك فإن إعادة التشجير، على سبيل المثال، يجب ألا تكون مجرد حملة لغرس الأشجار، بل يمكن أن تكون جزءا من مخطط اقتصادي يربط الإنتاج بالتحويل والتسويق، بما يسمح بخلق قيمة مضافة محلية ومناصب شغل جديدة. أما الجانب الصناعي، فيمكن أن يمثل الحلقة التي تربط بين إعادة الإعمار والتنمية الحقيقية فالمناطق المتضررة لا ينبغي أن تستعيد النشاط الصناعي السابق فقط، بل يمكن أن تستغل عملية إعادة التأهيل لإنشاء وحدات صغيرة ومتوسطة مرتبطة بالموارد المحلية،وحدات تحويل المنتجات الفلاحية، وتعليب المواد الغذائية، وإنتاج الزيوت والعسل ومشتقات الحليب، وتجفيف وتوضيب المنتجات، وصناعة مواد البناء، وتدوير بعض المخلفات، كلها مشاريع يمكن أن تخلق قيمة مضافة بالقرب من مناطق الإنتاج وتقلل تكاليف النقل وتوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. كما أن إعادة بناء المناطق المتضررة تمثل فرصة لإعادة التفكير في مناطق النشاط والحرف والمؤسسات الصغيرة، عبر توفير أوعية عقارية مهيأة وربطها بشبكات الطاقة والمياه والطرقات والاتصالات، مع تسهيل وصول المستثمرين إلى العقار والتمويل والتراخيص، والهدف ليس فقط إعادة المؤسسات التي توقفت إلى العمل، وإنما استقطاب مؤسسات جديدة قادرة على خلق نشاط اقتصادي دائم. وفي الجانب السياحي، تمتلك العديد من المناطق المتضررة من الحرائق مقومات طبيعية يمكن أن تجعل من إعادة التأهيل مدخلا لبناء نموذج سياحي جديد،فالغابات والجبال والسواحل والمناطق الريفية والمناظر الطبيعية والموروث الثقافي المحلي يمكن أن تشكل قاعدة للسياحة الجبلية والبيئية والريفية، إلى جانب السياحة الساحلية حيثما توفرت الإمكانات. وبالتالي يمكن التفكير في مسارات سياحية، ومناطق للنزهة والتخييم. فنجاح هذه الرؤية_ يقول قاشي_ يتطلب، إنشاء مخطط تنمية خاص بكل منطقة متضررة، لأن الحلول لا يمكن أن تكون موحدة,ما يصلح لمنطقة جبلية يختلف عن منطقة فلاحية أو ساحلية، وما تحتاجه منطقة تعتمد على الزيتون وتربية المواشي يختلف عن منطقة تتوفر على إمكانات سياحية أو صناعية، لذلك يجب أن تبدأ عملية الإعمار بتشخيص دقيق للإمكانات التي بقيت متاحة، وتحديد القطاعات القادرة على خلق أكبر قدر من القيمة المضافة ومناصب الشغل. كما أن للمتعاملين الاقتصاديين دورامهما في هذه المرحلة، ليس فقط من خلال المساعدات التضامنية، وإنما عبر الاستثمار الحقيقي والمساهمة في إعادة تشغيل الدورة الاقتصادية فالمطلوب هو الانتقال تدريجيا من منطق التضامن الظرفي إلى منطق الشراكة التنموية، بحيث تصبح المؤسسات الاقتصادية شريكا في إعادة بناء النشاط والإنتاج وخلق فرص العمل. وتابع قاشي:" أفضل تعويض للمناطق التي تضررت من الحرائق ليس فقط أن نعيد إليها ما كان موجوداا قبل الكارثة، بل أن نمنحها فرصة لتصبح أفضل مما كانت عليه،فالحرائق خلفت خسائر إنسانية واقتصادية وبيئية مؤلمة، لكن إعادة الإعمار يمكن أن تتحول إلى فرصة لإعادة تنظيم الاقتصاد المحلي، وتحديث البنية التحتية، ودعم الفلاحة، وإنشاء صناعات تحويلية، وتطوير السياحة، وتمكين الشباب من إطلاق مشاريعهم". وبذلك تصبح عملية إعادة الإعمار مشروعا لإعادة بناء الإنسان والاقتصاد،فالنجاح الحقيقي للمخطط الاستعجالي لن يقاس فقط بعدد المنازل التي يعاد بناؤها أو قيمة التعويضات المقدمة، وإنما بعدد المؤسسات التي عادت إلى النشاط، والأراضي التي عادت إلى الإنتاج، والأشجار التي أعيد غرسها، والمشاريع التي أنشئت، ومناصب العمل التي استحدثت، وبقدرة السكان على استعادة حياة اقتصادية كريمة ومستدامة. فالجزائر اليوم أمام فرصة لتحويل مأساة الحرائق إلى ورشة وطنية لإعادة بناء المناطق المتضررة وفق رؤية جديدة: فلاحة أكثر عصرية، صناعة أكثر ارتباطا بالموارد المحلية، وسياحة تستثمر في الخصوصيات الطبيعية والثقافية لكل منطقة وعندما تتحول أموال التعويض وإعادة الإعمار إلى استثمارات منتجة، فإننا لا نعيد فقط ما فقدناه، بل نبني اقتصادا محليا أقوى وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات.

شارك المقال

مقالات ذات صلة