اليوم العالمي للإبصار.. خبراء يحذرون من مضاعفات السكري على البصر
مدير نبض الجزائر١٨ أكتوبر ٢٠٢٦١٧ مشاهدة

حذّر مختصون في أمراض السكري وطب العيون والاقتصاد الصحي من المخاطر المتزايدة للمضاعفات العينية المرتبطة بمرض السكري في الجزائر، مؤكدين أن فقدان البصر قد يتطور بصمت، دون ظهور أعراض واضحة في مراحله الأولى، قبل أن يتحول إلى مشكلة صحية تهدد استقلالية المريض وحياته المهنية والاجتماعية. وشدد الخبراء على أهمية الكشف المبكر، وتنسيق مسار التكفل الطبي، وجعل فحوصات الشبكية جزءًا أساسيًا من المتابعة المنتظمة للمصابين بالسكري.
وجاءت هذه التحذيرات بمناسبة اليوم العالمي للإبصار، خلال لقاء احتضنه فندق سوفيتيل بالجزائر العاصمة، يوم 18 أكتوبر 2026، بمشاركة الأستاذة فدالة سمية، أخصائية أمراض السكري والغدد الصماء بالمركز الاستشفائي الجامعي بباب الوادي، والأستاذ جابور مصطفى، أخصائي طب العيون بالمؤسسة نفسها ورئيس الجمعية الجزائرية لطب العيون، إلى جانب الأستاذ عاشوري محمد ياسين، الصيدلي الاستشفائي المتخصص في الاقتصاد الدوائي بالمركز الاستشفائي الجامعي بارني، ورئيس الجمعية الجزائرية لاقتصاد الصحة.
وكشف المتدخلون عن أرقام تعكس حجم التحدي الصحي الذي تواجهه الجزائر، في ظل الانتشار المتزايد لمرض السكري وما يرافقه من مضاعفات قد تؤثر بصورة مباشرة في القدرة على الإبصار، وتفرض أعباء إضافية على المرضى وعائلاتهم والمنظومة الصحية.
وحسب تقديرات الاتحاد الدولي للسكري لسنة 2025، يعيش نحو 4.8 ملايين شخص بالغ تتراوح أعمارهم بين 20 و79 سنة مع مرض السكري في الجزائر، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 7.9 ملايين مصاب بحلول سنة 2050. وتشير المعطيات الواردة في المذكرة إلى أن نسبة انتشار المرض لدى البالغين تتراوح بين 14.4 و17.5 بالمائة، فيما أظهر المسح الوطني لعوامل الخطر المرتبطة بالأمراض غير السارية، الذي أجرته وزارة الصحة سنة 2018، أن نحو 31.7 بالمائة من الحالات لم يتم تشخيصها.
ولا تتوقف خطورة السكري عند اضطراب مستوى السكر في الدم، بل تمتد إلى الأوعية الدموية الدقيقة، خصوصًا تلك التي تغذي شبكية العين، ما قد يؤدي إلى الإصابة باعتلال الشبكية السكري، الذي يمثل أحد الأسباب المهمة لتراجع البصر لدى المصابين بهذا المرض.
وعلى المستوى العالمي، يعاني نحو 23 بالمائة من مرضى السكري من اعتلال الشبكية، فيما تصل نسبة المصابين بأشكال تهدد البصر إلى 11 بالمائة. أما في الجزائر، فقد سجلت دراسات منشورة نسبًا بلغت 48.6 بالمائة في الجزائر العاصمة سنة 2014، و34 بالمائة لدى مرضى السكري من النوع الثاني بسيدي بلعباس سنة 2022. ورغم اختلاف هذه الدراسات وعدم إمكانية اعتمادها لتحديد نسبة وطنية موحدة، فإن نتائجها تبرز الحاجة إلى تعزيز البحث العلمي وتحسين متابعة المضاعفات العينية المرتبطة بالسكري.
مضاعفات صامتة تهدد الرؤية
وفي هذا السياق، نبه الأستاذ جابور مصطفى إلى خطورة الوذمة البقعية السكرية، التي يمكن أن تتطور على مدى أشهر دون أن يشعر المريض بأعراض واضحة، قبل أن يبدأ تشوش الرؤية في الظهور، وهي مرحلة قد تكون فيها الأضرار قد بلغت مستوى متقدمًا.
وتكمن خطورة هذه الحالة في تأثيرها على البقعة المركزية للشبكية، المسؤولة عن الرؤية الدقيقة التي يحتاجها الإنسان للقراءة والتعرف على الوجوه وممارسة أنشطته اليومية. وتبلغ نسبة انتشار الوذمة البقعية السكرية 8 بالمائة لدى المصابين بالسكري من النوع الثاني في سيدي بلعباس، وفق الأرقام التي عرضها الخبراء.
كما شدد المختص على ضرورة الانتباه إلى أمراض أخرى، على غرار التنكس البقعي المرتبط بالتقدم في السن وانسدادات الأوردة الشبكية، بالنظر إلى تأثيرها في الرؤية المركزية والحاجة إلى اكتشافها في الوقت المناسب.
وتؤكد هذه المعطيات أن غياب الأعراض لا يعني غياب الخطر، إذ يمكن لبعض المضاعفات أن تتطور دون ألم أو تغيرات واضحة في الرؤية خلال مراحلها الأولى، وهو ما يجعل الفحوصات الدورية ضرورية حتى بالنسبة إلى المرضى الذين لا يشكون من مشكلات بصرية.
فقدان البصر يهدد استقلالية المريض
من جهتها، أوضحت الأستاذة فدالة سمية أن تراجع القدرة على الإبصار لدى مرضى السكري يتجاوز الجانب الطبي، ليمس قدرتهم على إدارة علاجهم بصورة مستقلة. فصعوبة قراءة جرعات الأنسولين والوصفات الطبية، أو استعمال أجهزة قياس نسبة السكر في الدم، يمكن أن تجعل المتابعة اليومية أكثر تعقيدًا، وتزيد من مخاطر الأخطاء في تدبير المرض.
ومع تفاقم ضعف البصر، تتسع دائرة التأثيرات لتشمل الحياة المهنية والاجتماعية، حيث قد يضطر المريض إلى تقليص نشاطه أو الاعتماد على أفراد أسرته في إنجاز مهام كان يؤديها بمفرده. ويؤثر ذلك في استقلاليته وكرامته، كما قد يزيد من احتمالات العزلة الاجتماعية والاعتماد المستمر على المحيط العائلي.
من جانبه، لفت الأستاذ جابور مصطفى إلى أن المتابعة المنتظمة، بما تتطلبه من فحوصات متخصصة وإجراءات علاجية، تفرض على المرضى النشطين مهنيًا التغيب المتكرر عن العمل، كما تضع عبئًا إضافيًا على أفراد الأسرة المكلفين بمرافقتهم، وتزيد الضغط على المؤسسات الصحية ومصالح طب العيون.
وتبرز الأرقام التي قدمها الأستاذ عاشوري محمد ياسين حجم هذا العبء، إذ تشير التقديرات المعتمدة في المذكرة إلى أن نحو 191,582 شخصًا بالغًا يعيشون مع وذمة بقعية سكرية مشخصة أو خاضعة للتكفل الطبي، من بينهم 178,810 أشخاص يعانون من أشكال متوسطة إلى شديدة.
وتستحوذ الحالات الشديدة، التي تمثل 37.3 بالمائة من المرضى، على 73.2 بالمائة من العبء الصحي، بما يعادل 8,347 سنة من سنوات الحياة المصححة باحتساب العجز، من أصل 11,410 سنوات. وتعكس هذه الأرقام مدى التأثير الذي يمكن أن تحدثه الحالات المتقدمة، سواء على صحة المرضى أو على الموارد التي تخصصها المنظومة الصحية للتكفل بهم.
وتقدر التكلفة السنوية المتوسطة للتكفل بالمريض الواحد بنحو 603,070 دينار جزائري، فيما تتراوح التكلفة الإجمالية السنوية المقدرة ضمن النموذج المعتمد بين 111.7 و115.54 مليار دينار جزائري.
ولا يقتصر هذا العبء على النفقات الطبية المباشرة، إذ يرتبط 34.5 بالمائة من التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية بالحياة النشطة، من خلال تراجع الإنتاجية والتغيب عن العمل، مقابل 65.5 بالمائة تتعلق بالتأثيرات الأسرية وغير الرسمية، بما يشمل الوقت الذي يخصصه أفراد الأسرة لرعاية المرضى وفقدان هؤلاء استقلاليتهم.
الكشف المبكر أولوية لتفادي المضاعفات
وأمام هذه الوضعية، دعا الخبراء إلى تغيير طريقة التعامل مع صحة العين لدى مرضى السكري، من خلال إدراج فحص الشبكية ضمن مسار التكفل منذ تشخيص المرض، بدل انتظار ظهور الأعراض التي قد تشير إلى تطور المضاعفات.
وأكدت الأستاذة فدالة سمية أهمية ترسيخ ما وصفته بـ«رد الفعل التلقائي لفحص الشبكية»، عبر جعل صحة العين جزءًا لا يتجزأ من المتابعة الطبية للمصابين بالسكري من النوع الثاني منذ التشخيص. أما بالنسبة إلى المصابين بالنوع الأول، فيوصى عمومًا بإجراء أول فحص للعين خلال السنوات الخمس الأولى من تشخيص المرض، وفق التوصيات الطبية المعمول بها.
كما دعت إلى تعزيز الفحوصات الدورية، بما في ذلك التصوير المقطعي للتماسك البصري (OCT) عند وجود دواعي طبية، معتبرة أن الكشف المنتظم يمثل إحدى الوسائل الأساسية لتحديد التغيرات التي قد تصيب الشبكية والتدخل قبل تفاقمها. وتبرز الدعوة إلى إدراج هذا الفحص ضمن المتابعة أهمية عدم ربط الكشف عن المضاعفات بظهور الأعراض فقط.
وفي موازاة ذلك، شدد المتدخلون على ضرورة بناء مسار علاجي أكثر تنسيقًا، يقوم على تحديد المرضى والتحقق من وضعهم على مستوى طب العيون، وتنظيم الفحوصات سواء من خلال المعاينة المباشرة أو التصوير الفوتوغرافي للشبكية الذي يفسره مهنيون مؤهلون.
ويشمل هذا التوجه وضع آليات واضحة لتوجيه المرضى إلى المصالح المختصة بحسب خطورة حالتهم، وضمان نقل التقارير الطبية بين مختلف المتدخلين، مع منح الأولوية للحالات التي تهدد البصر، وتذكير المرضى بمواعيد الفحوصات عبر الرسائل النصية أو المكالمات الهاتفية بعد موافقتهم.
وشدد الخبراء كذلك على ضرورة ضمان استمرارية التكفل بعد الكشف عن المضاعفات، من خلال ربط الفحص بالتشخيص والعلاج والمتابعة، مع تقييم المشاريع التجريبية التي يمكن إطلاقها لتحسين تنظيم الخدمات وتوسيع نطاق الاستفادة منها.
ابتكارات علاجية لتخفيف العبء الصحي والاقتصادي
وفيما يتعلق بتطوير التكفل العلاجي، أوضح الأستاذ جابور مصطفى أن تطور الاستراتيجيات العلاجية يتيح اعتماد مقاربات أكثر ملاءمة لحالة كل مريض، مع إمكانية تقليص عدد الزيارات الاستشفائية عندما تستقر الحالة المرضية بصورة مستدامة وتسمح المعطيات الطبية بذلك.
ومن شأن هذا التوجه أن يخفف الأعباء عن المرضى وعائلاتهم، ويقلص الحاجة إلى التنقلات المتكررة، فضلًا عن تحسين استغلال قدرات المؤسسات الصحية وتخفيف الضغط على مصالح طب العيون.
أما الأستاذ عاشوري محمد ياسين، فيرى أن الاستثمار في الكشف المبكر واستمرارية الرعاية يحمل قيمة إنسانية واقتصادية في آن واحد، باعتباره يساهم في الحد من النفقات التي يمكن تفاديها، ويقلص الضغط على المستشفيات الناتج عن تطور الحالات إلى مراحل شديدة.
وبحسب التقديرات المقدمة، فإن الحالات الشديدة تستحوذ على قرابة ثلاثة أرباع العبء الصحي المرتبط بالوذمة البقعية السكرية، ما يعزز أهمية التدخل المبكر وتطوير علاجات أكثر استدامة. ويمكن للابتكارات العلاجية التي تحقق نتائج أطول أمدًا أن تسمح، وفق النموذج المعتمد، بتحقيق وفورات صافية تصل إلى 6.05 مليارات دينار جزائري خلال خمس سنوات بالنسبة إلى منظومة الصحة.
وتؤكد هذه المعطيات أن مواجهة المضاعفات العينية للسكري تتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على العلاج بعد ظهور الضرر، بل تبدأ بالوقاية والكشف المبكر، وتمر بالتنسيق بين التخصصات الطبية، وصولًا إلى ضمان متابعة منتظمة تضمن استمرارية الرعاية.
وبمناسبة اليوم العالمي للإبصار، يجدد المختصون التأكيد على أن الحفاظ على البصر لدى مرضى السكري لا يرتبط فقط بتطور العلاجات، بل يتطلب أيضًا وعيًا أكبر بأهمية الفحوصات الدورية، وتنظيمًا أفضل لمسار التكفل، وضمان وصول المرضى إلى التشخيص والعلاج في الوقت المناسب. فكل تأخر في اكتشاف المضاعفات قد تكون له انعكاسات على صحة المريض واستقلاليته وأسرته، بينما يتيح التدخل المبكر فرصًا أفضل للحفاظ على الرؤية والحد من الأعباء الصحية والاجتماعية والاقتصادية.


